رغم الاشتياق لرومانسية «الشموع» التي أعادنا إليها قرار أصحاب المولدات بإطفائها ساعتين مساء الثلاثاء كنوع من الاحتجاج على قرارات وزير الاقتصاد رائد خوري في ما يتعلق بخفض ما يستوفونه من رسوم، إلا أنّ تنفيذ أصحاب المولدات لهذا التحذير من دون أن تحرك الدولة ساكناً على الأقل حتى الآن يُعتبر سابقة خطيرة في لبنان لكنه ليس عجيبة في بلد أصبح يُعرف ببلد العجائب، حين تتحكم دويلات كهربائية بكهرباء الدولة وبالحياة اليومية اللبنانية عبر إمساكها بمقدرات خدماتهم ومصالحهم الأساسية التي تعتمد على الكهرباء. في لحظة يكبس أصحاب المولدات زر الإطفاء لمولداتهم فتعمّ العتمة لبنان كله من أقصاه إلى أقصاه إلا من صودف من اللبنانيين أن شملته نعمة برنامج التغذية التابع لمؤسسة كهرباء لبنان.. إذا حضرت!

بالأمس نفض مواطنون الغبار عن وسائل إنارة على حداثتها أصبحت قديمة لقلة استخدامها مثل الـ«بطارية» والـ«يو بي إس»، ونبشوا وسائل أخرى من مراقدها في جواريرهم المقفلة بختم النسيان.. عاد للشمعة قيمتها ووهجها وألقها، وإن لبعض الوقت.. واستعاد كثيرون منا مراحل كانت هذه الشمعة، وقنديل الكاز إذا وجد، وسيلة الإنارة الوحيدة في لياليهم إبان الحروب والمحطات الصعبة.. واغتنم آخرون الفرصة للهروب من هموم الواقع إلى رومانسيته!

التزم أصحاب المولدات قرار تجمعهم في لبنان بإطفاء محركات مولداتهم ابتداءً من الساعة الخامسة وحتى السابعة مساءً فعمّت العتمة المناطق والأحياء التي كانت تخضع لتقنين كهرباء الدولة قبل السادسة، وتلك التي بعدها.. واضطر العديد من المواطنين وبخاصة تلامذة المدارس للإستعانة بالشموع أو بمصابيح الهواتف الخلوية لمتابعة دراستهم أو أعمالهم واهتماماتهم.

المفارقة أنه في الماضي كانت كهرباء الدولة غائبة قسراً وكان اللبناني يتوق إلى عودتها وحضورها توقه إلى استعادة الاستقرار والسلم الأهلي، وهو ما حصل لاحقاً. حضرت الدولة بمؤسساتها ومرافقها وخدماتها لكن بقيت الكهرباء ضيفاً عزيزاً على اللبنانيين رغم أنها كلّفتهم ولا تزال أغلى الأثمان من جيوبهم ومقدراتهم. فجاءت دويلة المولدات لتسد فراغ الدولة الكهربائي وتضيف إلى أعباء المواطنين وفواتيرهم عبئاً وفاتورة جديدين.

اليوم، وبعدما هيمنت دويلة المولدات قررت الدولة أن تستعيد دورها وهيبتها وحضورها، فكانت ردة فعل أصحاب المولدات إطفاءً تحذيرياً لها لمدة ساعتين.. لم يجد خلالها المواطنون أمامهم قبساً ينير عتمة أمسيتهم إلا العودة إلى إضاءة الشموع خيراً من أن يلعنوا الظلام.. في جمهورية لا تزال تلاحقهم فيها اللعنة تلو الأخرى.. وليست ولن تكون آخرها الكهرباء!.