×

بين الجيزة وصيدا… مفارقة الحضارتين العريقتين

التصنيف: ثقافة

2025-11-03  09:58 ص  195

 

بقلم : الدكتور محمد حسيب اابزري 

في الجيزة، حيث تقف الأهرامات شامخةً في وجه الزمن، يرتفع اليوم متحف الفراعنة الكبير تحفةً معماريةً وحديثةً تُبهر العالم بأسره. هو شاهدٌ على عبقرية المصري القديم، وعلى أمانة أحفاده الذين حفظوا تراث أجدادهم من غبار النسيان. حين يدخل الزائر قاعات هذا المتحف، يشعر أنه يمرّ عبر بوابةٍ إلى الماضي السحري ، حيث تهمس الجدران بأسرار التاريخ . في مصر ، حضارة الفراعنة تُروى وتُعرض وتُخلَّد، والاعتزاز بالماضي يُترجم إلى عملٍ يليق بعظمة الفراعنة.

 

أما صيدا، تلك المدينة التي كانت يوماً عاصمة الفينيقيين، وميناء العالم القديم، فتقف اليوم على مفارقةٍ موجعة. فبينما كانت سفن الفراعنة تنتظر الإذن من ملك صيدا لتحمل خشب الأرز لبناء معابد طيبة والأقصر، ننتظر نحن منذ عقدين أن يُفتح متحف الفينيقيين في مدينتنا على وسعه ونوره. وبدلاً من أن يكون منارةً تُعيد إلى العالم ذكر أولئك الذين علّموا البشرية الأبجدية وصبغوا الأرجوان بالخلود، ما زال المشروع يسير بخطى النملة، وكأن الزمن نفسه يتثاقل في حضرة الإهمال.

أليس في ذلك ما يدعو إلى الخجل قبل الحنين؟

كيف نقف أمام حضاراتٍ أقل عمقاً فنرى متاحفها تفيض حياةً، بينما نطأ بأقدامنا أرضاً تحتها كنوز التاريخ الفينيقي لم تُكشف بعد؟

كيف نرضى أن تبقى ذاكرة من صنعوا الأبجدية والبحر والتجارة والأسطورة حبيسةَ الخرائط والخطط المعلّقة؟

إن صيدا، التي كانت يوماً سيدة البحر ومعلّمة الحرف، تستحق أن يعود إليها مجدها الثقافي كما عاد إلى الجيزة المصرية مجدها الفرعوني. فالمتحف ليس حجراً فوق حجر، بل هو رسالةُ وفاءٍ للأجداد، وجسرٌ بين التاريخ والمستقبل.

لقد بنى الفينيقيون صروحهم في العقول قبل أن يبنوها في الأرض، فحملوا الحرف إلى أصقاع الدنيا، ونقشوا اسم صيدا على وجه الحضارة. واليوم، لعلّ أبناء صيدا يسمعون نداء الأجداد من أعماق البحر يقول:

“لا تتركوا حضارتكم تنتظر كما كانت سفن الفراعنة تنتظر خشب الأرز… اجعلوا متحفكم منارةً تُعيد لصيدا صوتها في التاريخ.”

أخبار ذات صلة

إعلانات

إعلانات متنوعة

صيدا نت على الفايسبوك

الوكالة الوطنية للاعلام

انقر على الزر أدناه لزيارة موقع وكالة الأنباء الوطنية:

زيارة الموقع الإلكتروني

تابعنا