متى نشقُّ طريقًا غير الذي يريده الشيطان؟
التصنيف: أقلام
2025-11-15 04:46 م 268
كل مقال يعبّر عن رأي كاتبه، ولا يمثّل بأي شكل من الأشكال سياسة الموقع.
بقلم صلاح بسيوني
يحتل لبنان، رغم مساحته المحدودة، موقعاً مركزياً في الحسابات الجيوسياسية لشرق المتوسط. فمنذ العصور القديمة، استقطب هذا الشريط الساحلي الصغير القوى الباحثة عن النفوذ في المشرق العربي، وما زال حتى اليوم جزءاً من لعبة دولية لا تهدأ.
مشكلتنا في لبنان متعددة الابعاد , حين يكون البعد الفسيفسائي للوعي الشعبي قائم على الخوف من الغد والشك في الآخر و اللا الثقه بولاة الامر. تتعزز الرؤى و الاساطير والالتحاق طوعا بالمراكز القيّمية لكل طائفه كمرجعية للحماية .
هذا الالتحاق لا يتشكّل في الفراغ، بل في ظل نظام طائفي يرسّخ انقسامات الهوية ويحوّل الطوائف إلى كيانات سياسية مستقلة نظرياً، تابعة عملياً لقوى إقليمية ودولية. فبعض المكوّنات ترى في الفاتيكان و الغرب مظلة حماية، وأخرى تتكئ على إيران، وثالثة تتصل بالرياض أو القاهرة أو أنقرة،....الخ . ما يجعل الدولة في موقع التابع الضعيف أمام زعماء الداخل ورعاة الخارج. النظام السياسي الطائفي في هذا البعد يكون نتيجة لهذا الوعي الشعبي الذي يعززه الساسة و الزعماء و مؤسساتهم حماية لنفوذهم بتحويل الجمهور الى قطعان متناحرة و خائفة من الغد.
هذه البنية الداخلية المأزومة تقدّم للقناصل مدخلاً سهلاً للتأثير في القرار اللبناني. فحين يصف باللغة الاستعمارية مبعوث أميركي كتوماس باراك الدولة اللبنانية بـ«الفاشلة» التي لا تستقيم من دون وصاية، أو يعلن نتنياهو « ان اللحظة التاريخية حانت لوضع عباءة الحاخامات على لبنان باعتبار ان ما يقوم به هو بناء على رغبة الاكثرية من اللبنانيين .» فذلك ليس جديداً بقدر ما هو استثمار في هشاشة الواقع المحلي. فالتلاقي بين ضعف البنية الداخلية وضغط الاستراتيجيات الخارجية يولّد فراغاً سيادياً يتحوّل معه لبنان إلى ساحة مفتوحة للمشاريع الإقليمية و الدولية : حضور سعودي ومصري وإيراني واوروبي وفاتيكاني واميركي وروسي، يتنافسون ويتقاطعون فوق أرض واحدة.
وبما ان العقل التوراتي يرى فينا " ذئاب الشمال" الذي يفترض تجريدهم من مخالبهم , و ابقاؤهم في الحجر الاستراتيجي , وموشي ديان قديما وصف سوريا "بالوباء التاريخي" و ارييل شارون وصف لبنان "بالخطأ التاريخي" . وصولاً إلى اعتبار كيسنجر لبنان «فائضاً جغرافياً». هذه الرؤية لا تزال حاضرة في تصوّر «الشرق الأوسط الجديد» الذي تسعى إليه الولايات المتحدة وإسرائيل: شرق أوسط تُهمَّش فيه الدول العربية سياسيًا، ويغيب عنه الدور الأوروبي، ويُعاد ترتيب ساحاته من لبنان إلى غزة بما يضمن ضبط أي تهديد لميزان القوى القائم. وفي قلب هذا المشهد، وعلى طاولة ترامب و نتنياهو يتطلعان الى اقتلاع فكرة المقاومة و التحرر من الساحة اللبنانية وجعلها راس حربة التطبيع في المنطقة , أو اذا امكن اقتلاع لبنان من خارطة الشرق الاوسط كفائض جغرافي كما وصفه كيسنجر.
لكن هذا المسار ليس حتمياً. فالأساس هو: هل يدرك اللبنانيون أن استمرار الصراع الطائفي يعني تفكيك ما تبقى من الدولة؟ وهل تعي النخب السياسية والاقتصادية والثقافية أن بناء استقلال فعلي لا يمكن أن يتحقق في ظل تبعية خارجية مستدامة؟
حكام و محكومين نحاول عبثا اثبات اننا كائنات بشرية تارة بالتقليد لتعويض النقص فينا, وتارة بتقديم الخيال على الواقع حتى بتنا داخل دوامة صراع الاباطرة, وصراع الاديان الذي لا ينتهي.
هناك من يوحي بأن مكافحة الاستعمار الاجنبي والصهيونية درب من دروب الخيال في عقول المجانين, يشيرون الى ان الحالمين يلهثون وراء سراب الاهواء والعواطف علهم يحظون بما هو واقعي. هؤلاء الواحون تراهم يتحابون مع سياسات الاستعمار و يتقبلون عن طيب خاطر ممارساته طمعا بالحماية و الحصول على فتات الرضى القادم من خلف المحيطات . حيث باتت عقول الكثير من النخب والعامة على حد سواء مبرمجه لتقبل هذا .
الاسئلة المطروح الان : الم يحن الوقت الذي نشق طريقا غير الذي يشقه الشيطان؟ . الم تقتنع النخب السياسية و الثقافية و الاقتصادية ...الخ , بعد بأن الحرية و التقدم و الوحدة مهما كان شكلها تتحقق في بلدان مستقلة وليس في بلدان مستعمرة ؟ الم نقتنع بعد بأن "المستعمر" المهيمن ليس له مصلحة في ان نمارس الديمقراطية السليمة بعيدا عن لعبة الطوائف او نجتث الفساد الذي ينخر عظامنا او حتى تطوير مناهجنا التعليمية او العودة الى القيم الدينية السمحاء ؟. ايضاً ليس له مصلحة في تعزيز كل ما هو جامع , بل يسعي الى التفرقة ونبش الاحقاد وتعميمها بواسطة اعوانه.
اللبنانيون لم يفقدوا كل اوراقهم بعد بالرغم من كل هذه الصدمات البنيوية وحتى الوجودية . اللبنانيون يمتلكون الكثير من الاوراق التي تخرجهم من هذا المازق التاريخي .
الخيار اليوم واضح: إما البقاء في المسار ذاته الذي تنتجه البنية الطائفية ويناسب القوى الخارجية، وإمّا بناء مسار وحدوي يفرض على الدولة ومن فيها إعادة تعريف أولوياتها. فالحرية تتطلّب تضحية، والتقدم يحتاج إلى قرار، والحماية الوطنية لا تُستورد من الخارج بل تُصنع في الداخل.
لقد آن الأوان أن يتخذ اللبنانيون قراراً استراتيجياً: الخروج من الطريق الذي يشقه الشيطان، وبناء طريقٍ جديد تشقّه الإرادة الوطنية لا إملاءات الخارج.
أخبار ذات صلة
لجنة الطوارئ … استجابة فلسطينية موحّدة لمواجهة تداعيات الحرب الإسرائيلية على لبنان
2026-03-05 10:47 ص 114
المستقبل" من تيار الوطن إلى حزب العائلة
2026-02-27 10:22 ص 253
خليل المتبولي : معروف سعد، حين صارت صيدا فكرةً… وصار الاستشهادُ مدينة
2026-02-25 10:18 ص 155
عكاظ بين ذكرى الحريري وواقع المظلومية.. الطائفة السنّية في مواجهة «عنق الزجاجة»
2026-02-18 10:18 ص 195
صيدا: حكاية تحرير وعنفوان (١٦ شباط ١٩٨٥)
2026-02-16 03:28 م 127
إعلانات
إعلانات متنوعة
صيدا نت على الفايسبوك
الوكالة الوطنية للاعلام
انقر على الزر أدناه لزيارة موقع وكالة الأنباء الوطنية:
زيارة الموقع الإلكترونيتابعنا
رمضان في ساحة النجمة… فانوس البلدية بين الإشادة وعتب المتبرعين
2026-02-18 05:57 ص
تحليل المشهد الانتخابي في صيدا بعد خطاب دولة سعد الحريري
2026-02-14 09:42 م
٤٥ عاماً في مهنة الإعلام… شهادة حق من صيدا نت : لم يُهدر دمي من هؤلاء بمدينة

