×

خليل متبولي : أمال خليل… صوت الجنوب الذي لا يُغتال

التصنيف: أقلام

2026-04-23  01:56 م  49

 
كل مقال يعبّر عن رأي كاتبه، ولا يمثّل بأي شكل من الأشكال سياسة الموقع.

 

بقلم : خليل ابراهيم المتبولي

لم تكن أمال خليل مجرّد اسمٍ في سطرٍ خبريّ عابر، بل كانت سطرًا من نارٍ في كتاب الجنوب، وكانت صوتًا لا يُهادن، يخرج من بين الركام ليكتب الحقيقة بمدادٍ من وجع الناس وصمودهم. في الطيري، تلك القرية التي تحفظ في ترابها حكايات الشهداء، ارتقت أمال، لا كضحية صدفةٍ عابرة، بل كشاهدةٍ قُتلت لأنها نقلت الحقيقة كما هي، وواجهت الزيف بصوتٍ عالٍ لا يلين.

أمال… يا ابنة الجنوب الذي لا ينحني،
كنتِ تعرفين أن الكلمة في زمن العدوان ليست حبرًا فقط، بل موقف، وأن الحرف إذا صَدَق صار رصاصة في وجه الباطل. لذلك، لم تكن كتاباتك حيادية باردة، بل كانت حارّة كدمٍ يسري في عروق الأرض، وكانت جريئة كخطوةٍ في ميدانٍ مكشوف، لا يحتمي إلا بالحق.

كنتِ شجاعةً على نحوٍ لا يُدرّس في الكتب، بل يُولد مع الإيمان بالقضية. لم تخافي هدير الطائرات، ولا اقتراب الخطر، بل كنتِ تتقدمين نحوه بثباتٍ يُربك الموت نفسه. في كل مرةٍ كان الرصاص يعلو، كنتِ ترفعين صوتك أعلى، وفي كل مرةٍ كان الخوف يخيّم، كنتِ تكتبين لتبدّديه. لم يكن حضورك في الميدان مجرّد تغطيةٍ صحافية، بل كان موقفًا حيًّا، وإصرارًا على أن الحقيقة لا تُترك وحيدة في مواجهة العدوان.

في يوم استشهادك، لم يكن القصف يستهدف حجرًا أو شجرًا، بل كان يستهدف المعنى، يستهدف الصوت الذي يفضح، والعدسة التي تكشف، والقلم الذي يكتب بلا خوف. كأنهم أرادوا أن يطفئوا فيكِ وهج الحقيقة، وأن يغتالوا فيكِ الجرأة التي لا تُشترى ولا تُرهب. لكنها جريمة أكبر من رصاصة، وأعمق من غارة؛ إنها انتهاك صارخ لكل ما تبقّى من ضميرٍ في هذا العالم، وصفعةٌ للقانون الدولي الإنساني الذي يُنتهك كل يوم أمام أعينٍ صامتة.

أمال لم تكن فقط صحافية، كانت ذاكرةً تمشي على قدمين، وكانت عين الجنوب التي لا تنام. في الميدان، حيث الخطر أقرب من الأنفاس، كانت هناك، لا تتراجع، لا تساوم، ترفع صوتها كما ترفع الأمهات أسماء أبنائهن في وداعٍ لا ينتهي. كانت تعرف أن الصمت خيانة، وأن الحقيقة إذا لم تُكتب تموت، لذلك كتبتْ، ودفعتْ ثمنَ الكلمة حياة.

يا زهرة الجنوب،
لم تُقْطَفي لأنكِ ذَبُلْتِ، بل لأنكِ أزهرتِ أكثر مما يحتمل العدو. كنتِ شوكةً في خاصرته، وصوتًا يزعجه، ومرآةً تعكس قبحه. فاختار أن يكسر المرآة، ظنًا منه أن الصورة ستختفي.

لكنكِ الآن، يا أمال، لستِ غائبة،
أنتِ في كل كلمة تُكتب بصدق، في كل صوت يعلو في وجه الظلم، في كل كاميرا ترفض أن تُغمض عينيها. أنتِ حاضرة في الذاكرة التي لا تُقصف، وفي الحكاية التي لا تُمحى، وفي الجنوب الذي يعرف كيف يحفظ أبناءه شهداء في قلبه، لا في التراب فقط.

نامي بسلامٍ يليق بكِ،
سلام الشجعان الذين لم يخافوا،
سلام الكلمة التي لم تُكسَر،
وسلام الحقيقة التي، مهما حاولوا اغتيالها،

أخبار ذات صلة

إعلانات

إعلانات متنوعة

صيدا نت على الفايسبوك

الوكالة الوطنية للاعلام

انقر على الزر أدناه لزيارة موقع وكالة الأنباء الوطنية:

زيارة الموقع الإلكتروني

تابعنا