×

نتنياهو يخاطب العالم... والعالم يختار باب الخروج!.. 

التصنيف: أقلام

2026-09-25  08:58 م  51

 
كل مقال يعبّر عن رأي كاتبه، ولا يمثّل بأي شكل من الأشكال سياسة الموقع.

 

 

بقلم: عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين الدكتور وسيم وني

 

لم يكن المشهد الذي احتضنته قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك مساء الرابع والعشرين من أيلول/سبتمبر 2026 مجرد محطة بروتوكولية في أعمال الجمعية العامة، ولم يكن خطاب رئيس الوزراء الاحتلال الاسرائيلي بنيامين نتنياهو مجرد كلمة أخرى تضاف إلى سجل الخطابات السنوية لقادة الدول فمع بدء الخطاب غادرت عشرات الوفود القاعة فتحول مشهد الانسحاب سريعاً إلى جزء أساسي من الحدث وربما إلى أكثر مشاهده حضوراً في التغطية السياسية والإعلامية.

 

كان نتنياهو يقف على منصة يفترض أن تكون مساحة للحوار بين الدول بينما كانت مقاعد عديدة تخلو تباعاً ولا يعني ذلك أن جميع الوفود التي غادرت القاعة تحمل موقفاً سياسياً موحداً تجاه إسرائيل أو الحرب أو القضية الفلسطينية، كما أن بقاء وفود أخرى لا يمكن تفسيره تلقائياً باعتباره تأييداً لكل ما ورد في الخطاب غير أن المشهد، في حد ذاته عكس حجم التوتر السياسي والدبلوماسي المحيط بحكومة الاحتلال الاسرائيلية وحربها المستمرة.

 

ومنذ اللحظات الأولى أصبح واضحاً أن مغادرة الوفود لن تكون تفصيلاً هامشياً فقد أشار نتنياهو إلى المغادرين وهاجم موقفهم قبل أن يواصل تقديم الرواية الإسرائيلية بشأن الحرب والأمن والتهديدات الإقليمية مركزاً على ما تعتبره حكومته مخاطر استراتيجية، وفي مقدمتها إيران.

 

لكن أهمية المشهد لا تكمن فقط في مضمون خطاب نتنياهو، بل في السياق الذي أُلقي فيه فالحرب الطويلة في غزة وما رافقها من خسائر بشرية ودمار واسع وأزمة إنسانية، جعلت أي خطاب إسرائيلي أمام المجتمع الدولي يواجه مجموعة متزايدة من الأسئلة المتعلقة بالقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني ومستقبل الأراضي الفلسطينية.

 

وهنا تظهر المفارقة السياسية في صورتها الأكثر وضوحاً: جاء نتنياهو إلى الأمم المتحدة ليخاطب العالم، لكن جزءاً من العالم اختار أن يرد على الخطاب بالفعل قبل انتهاء الكلمات ، ليست هذه الصورة دليلاً على وجود موقف دولي واحد لكنها مؤشر على اتساع مساحة الخلاف حول السياسات الإسرائيلية والحرب في غزة كما أنها تعكس أن الرواية الإسرائيلية لم تعد تُستقبل في المحافل الدولية بالدرجة نفسها من القبول أو الصمت التي ربما عرفتها في مراحل سابقة.

 

لقد حاول نتنياهو أن يضع الأمن الإسرائيلي في مقدمة خطابه وأن يقدم الحرب باعتبارها جزءاً من مواجهة تهديدات يعتبرها وجودية وفي المقابل، بقيت غزة حاضرة في خلفية المشهد بكل ما خلفته الحرب من دمار ومعاناة وبقيت الأسئلة المتعلقة بمستقبل القطاع والقضية الفلسطينية مطروحة بقوة فغزة لم تعد ملفاً منفصلاً عن النقاش الدولي حول مستقبل المنطقة، كما أن القضية الفلسطينية لم تعد قابلة للتأجيل باعتبارها مسألة يمكن التعامل معها بعد انتهاء الأزمات الإقليمية. فالقدس والضفة الغربية والاستيطان وقطاع غزة والاحتلال وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، كلها ملفات مترابطة تشكل جوهر الصراع.

 

ومن هنا، فإن مشهد الجمعية العامة يتجاوز مسألة خروج الوفود من القاعة إلى سؤال سياسي أوسع: هل يمكن أن تشكل القوة العسكرية بديلاً دائماً عن الحل السياسي؟....التجارب التاريخية للصراعات تؤكد أن القوة قد تفرض وقائع على الأرض، لكنها لا تحسم بالضرورة القضايا السياسية كما أن الخطابات مهما بلغت قوتها لا تستطيع وحدها إنتاج توافق دولي أو بناء سلام مستدام ، وفي السياسة الدولية لا تكفي المنصة لصناعة الإقناع فالمتحدث يمتلك حق عرض روايته، لكن الحاضرين يمتلكون أيضاً حق الاستماع أو الاعتراض أو الانسحاب ولهذا فإن الصورة التي خرجت من الجمعية العامة أصبحت جزءاً من قراءة الخطاب نفسه.

 

لقد أراد نتنياهو أن يقدم رواية إسرائيل أمام العالم، لكن القاعة قدمت في المقابل صورة سياسية موازية: رئيس حكومة يتحدث من المنصة، ووفود تغادر القاعة...وهنا تحديداً يمكن فهم السخرية السياسية التي فرضها المشهد من دون الحاجة إلى المبالغة فيها فحين يخصص رئيس حكومة جزءاً من خطابه للرد على من غادروا القاعة يصبح الغياب نفسه حاضراً في الخطاب.

 

إنها مفارقة تختصر جانباً من طبيعة المرحلة الحالية.

 

إسرائيل تتمسك بروايتها الأمنية والعسكرية بينما تواجه في المقابل مواقف دولية متباينة وانتقادات متزايدة بشأن الحرب ونتائجها الإنسانية والسياسية وبين هذين المسارين تبقى القضية الفلسطينية هي العامل الذي يصعب تجاوزه عند البحث عن مستقبل المنطقة ، فأي حديث عن السلام من دون معالجة جذور الصراع يبقى ناقصاً وأي نقاش حول أمن المنطقة من دون التطرق إلى مستقبل الشعب الفلسطيني يبقى محدوداً كما أن استمرار الحرب لا يلغي الحاجة إلى حل سياسي بل يزيدها إلحاحاً.

 

ومن هنا فإن قراءة خطاب نتنياهو لا ينبغي أن تتوقف عند الكلمات التي ألقاها بل يجب أن تشمل أيضاً المشهد الذي أحاط بها فالخطاب السياسي لا يُقاس فقط بما يقوله صاحبه وإنما أيضاً بكيفية استقباله وبردود الفعل التي يولده وفي هذه الحالة كانت الصورة واضحة: منصة تتحدث، وقاعة تشهد انسحاب عدد كبير من الوفود، ومشهد ينتقل من داخل الأمم المتحدة إلى شاشات العالم.

 

ومع ذلك، فإن القراءة المهنية تقتضي عدم تحويل المشهد إلى استنتاجات أكبر من حجمه فالدول لا تتحرك دائماً وفق موقف واحد والانسحاب من خطاب لا يعني بالضرورة تبني سياسة متكاملة تجاه إسرائيل أو القضية الفلسطينية كما أن بقاء وفد في القاعة لا يعني بالضرورة تأييد الحكومة الإسرائيلية ، لكن ما يمكن قوله بوضوح هو أن الحرب في غزة أعادت القضية الفلسطينية إلى مركز النقاش الدولي ووسعت دائرة الأسئلة حول مستقبل الصراع وحول إمكانية الانتقال من إدارة الحرب إلى معالجة أسبابها السياسية.

 

وفي قلب هذا المشهد تقف فلسطين.

 

فهي حاضرة في غزة التي أنهكتها الحرب وفي القدس التي بقيت عنواناً مركزياً للصراع وفي الضفة الغربية وفي قضية الاستيطان وفي حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة وفق المرجعيات الدولية وهذا الحضور لا يحتاج إلى خطاب في الأمم المتحدة كي يثبت نفسه فكل نقاش حول مستقبل المنطقة يعيد القضية الفلسطينية إلى الطاولة، مهما حاولت الأزمات الإقليمية الأخرى أن تتقدم عليها ، لقد أراد نتنياهو أن يجعل الأمن الإسرائيلي محور خطابه، لكن المشهد الأوسع أعاد طرح سؤال الأمن من زاوية أخرى: كيف يمكن بناء أمن مستدام في منطقة لا تزال تعاني من صراع مفتوح ومن قضية فلسطينية لم تجد طريقها إلى الحل؟

وهنا تتراجع قيمة الشعارات لمصلحة الأسئلة الواقعية.

فالقوة لا تكفي وحدها، والخطابات لا تكفي وحدها، والحرب لا يمكن أن تكون بديلاً دائماً عن السياسة.

 

ختاماً : انتهى خطاب نتنياهو لكن الصورة التي رافقته بقيت حاضرة.

انتهى خطاب نتنياهو، وبقيت المفارقة التي ربما لم تكن في حساباته: حاول أن يتحدث عن كل شيء حتى لا يتحدث عن فلسطين، فإذا بفلسطين تصبح حاضرة في كل شيء.

تحدث عن القوة، فخرجت وفود من القاعة تحدث عن الأمن، فبقيت غزة والقدس والضفة الغربية في قلب المشهد وحاول أن يقدّم روايته للعالم فإذا بالمقاعد الفارغة تضيف إلى خطابه جملة لم يكتبها في أوراقه ، يبدو أن نتنياهو اكتشف متأخراً أن الميكروفون يمكن أن يكون في يده، لكن فلسطين ليست في يده

وأن منصة الأمم المتحدة قد تمنح المتحدث وقتاً طويلاً للكلام لكنها لا تمنحه القدرة على حذف قضية عمرها عقود من ذاكرة العالم.

وهنا كانت المفارقة الأشد سخرية: أراد نتنياهو أن ينهي حضور فلسطين من خطابه... فإذا بفلسطين تنتهي به إلى نهاية خطابه.

غادر بعض الحاضرين القاعة، وبقيت فلسطين في المشهد.

هو غادر المنصة... أما فلسطين فلم تغادر القضية والمشهد.

أخبار ذات صلة

إعلانات

إعلانات متنوعة

صيدا نت على الفايسبوك

الوكالة الوطنية للاعلام

انقر على الزر أدناه لزيارة موقع وكالة الأنباء الوطنية:

زيارة الموقع الإلكتروني

تابعنا