لماذا يحتاج لبنان إلى دار فتوى قوية؟ المرجعية الدينية والمسؤولية الوطنية
التصنيف: أقلام
2026-10-20 02:58 م 29
كل مقال يعبّر عن رأي كاتبه، ولا يمثّل بأي شكل من الأشكال سياسة الموقع.
الشيخ الدكتور أحمد محي الدين نصّار – رئيس الرابطة الإسلامية السنية في لبنان
يحتاج لبنان في أزماته المتراكمة، إلى مؤسسات تستحق ثقة الناس وتعينهم على مواجهة القلق والانقسام وضيق العيش. وتتحمل المرجعيات الدينية نصيبًا مهمًا من هذه المسؤولية، بما تملكه من تأثير في الوجدان والسلوك والعلاقات الاجتماعية. من هنا يصبح السؤال عن قوة دار الفتوى سؤالًا عن قدرتها على رعاية المسلمين السنّة، وعن إسهامها في استقرار الوطن وصون شراكته.
وتتمثل هذه القوة في علم موثوق، وموقف مستقل، وإدارة كفوءة، وأوقاف مصونة، ورعاية تصل إلى الناس. وتحتاج إلى قيادة تحسن جمع الكفاءات وتوجيهها، وهيئات تمارس مسؤولياتها، وقواعد تحظى بالاحترام. ويشعر المجتمع بأثرها حين يجد في المؤسسة مرجعًا يفهم أسئلته، ويستمع إلى همومه، ويعمل لمعالجة ما يقع ضمن اختصاصه وإمكاناته.
وحين نستعيد حضور المفتي الشهيد الشيخ حسن خالد في الذاكرة اللبنانية، نستحضر تجربة تستحق التأمل في صلة المرجعية بقضايا مجتمعها ووطنها. والوفاء لهذه الذاكرة يدعونا إلى النظر في الحاضر: ما الذي يمنح كلمة المرجعية وزنها؟ وكيف تتجدد ثقة الناس بها؟ وكيف تستفيد المؤسسة من رصيدها التاريخي لبناء قدرة تستجيب لحاجات مرحلة مختلفة؟
تكتسب هذه الأسئلة أهميتها حين نميّز بين المكانة التي تحملها المؤسسة في وجدان جمهورها، والأداء الذي ينتظره منها. فالمكانة أمانة تستدعي عملًا متواصلًا، واحترامها يقتضي مراجعة التجربة وتقييم النتائج وتطوير الأدوات. ومن حق المسلمين أن يتطلعوا إلى دار فتوى حاضرة في حياتهم، قادرة على المبادرة، واضحة في مسؤولياتها، ومستعدة للمصارحة بشأن ما تستطيع إنجازه وما يعترضها من صعوبات.
وتعلن دار الفتوى في تعريفها الرسمي رسالة تشمل الشؤون الدينية والوقفية، والمساجد والزكاة والعمل الخيري والاجتماعي والتعليم الديني والإرشاد، وتؤكد التعاون مع المرجعيات الإسلامية والمسيحية وصون الوحدة الوطنية. يضع هذا الاتساع أمامها مسؤولية تحويل رسالتها إلى أولويات وبرامج ونتائج، ويمنح الجمهور أساسًا لتقييم عملها بإنصاف.
وتبدأ القدرة على أداء هذه الرسالة من قيادة تجمع الرسوخ العلمي وفهم الواقع والاستقلال وحسن الإدارة. فموقع الإفتاء يحتاج إلى بصيرة في تقدير المواقف، وشجاعة في تحمل المسؤولية، وحكمة في التعامل مع الاختلاف. ويحتاج إلى الاستعانة بأهل الخبرة، وإتاحة المجال أمامهم، وقبول الملاحظة حين تسهم في تصحيح القرار وتحسين العمل.
كما أن سلامة اختيار القيادة ركن في الثقة بها. فالاستحقاقات المؤسسية، حين تُدار وفق الأصول النافذة، تتيح تقييم التجربة ومناقشة حاجات المرحلة واختيار الأقدر على الاستجابة لها. ومن مصلحة المرجعية أن تبقى قواعد الاختيار واضحة ومحترمة، وأن يتقدم فيها اعتبار الكفاءة والاستقلال والبرنامج. وتظهر متانة المؤسسة في قدرتها على تجديد قيادتها ونقل المسؤولية بانتظام، مع حفظ الخبرة واستمرار العمل.
ويكتمل هذا البناء بتكامل المسؤوليات. فالهيكلية المنشورة تبيّن أدوار مفتي الجمهورية ومفتيي المناطق، ويحدد التعريف الرسمي للمجلس الشرعي الإسلامي الأعلى مهامه التنظيمية والرقابية المتعلقة بالشؤون الدينية والأوقاف. وفاعلية هذه الأدوار تستلزم وضوحًا في اتخاذ القرار وتنفيذه ومتابعته، بحيث تعمل الهيئات بتعاون، وتتحمل كل جهة مسؤوليتها ضمن اختصاصها.
وفي المجال العلمي، يحتاج الناس إلى مرجعية تحسن بيان الأحكام وفهم الوقائع. فقضايا الأسرة والمال والتربية والحياة العامة تستدعي علمًا شرعيًا متينًا وحوارًا مع المختصين. ومع اتساع الفضاء الرقمي وانتشار الأقوال المتعجلة، تزداد أهمية البحث الرصين واللغة الواضحة والتواصل القريب. ويحتاج الشباب خصوصًا إلى مساحة آمنة للسؤال، وإلى خطاب يحترم عقولهم ويساعدهم على التمييز ومواجهة التضليل والغلو.
أما الرعاية الاجتماعية، فتقتضي معرفة دقيقة بالحاجات والموارد، وتنسيقًا مع الجمعيات والمؤسسات المختصة، مع احترام استقلال كل منها. فالأسر المثقلة بكلفة التعليم والعلاج، والشباب الباحثون عن فرصة، والعاملون في الشأن الديني، ينتظرون استجابة منظمة ومعايير عادلة. وتتكامل هذه الجهود مع مسؤوليات الدولة، ضمن حدود الإمكانات والصلاحيات، وبما يحفظ كرامة المستفيد وخصوصيته.
وللأوقاف دور أساسي في استدامة المنافع التي أُنشئت من أجلها. وتبدأ حمايتها بحصر الأصول وتوثيق الحقوق وفهم الالتزامات وتقييم الاستخدام والعائد. ثم تأتي المشاريع المدروسة، وفق شروط الواقفين والأحكام والأنظمة المعمول بها، لتربط تنمية الموارد بحاجات المجتمع. وهذا عمل يحتاج إلى خبرة وتعاقد واضح ورقابة ومتابعة، وإلى قدرة على تقدير المخاطر قبل الالتزام بها.
وتحمي الشفافية هذه الجهود وتمنحها صدقيتها. فالتقارير المنتظمة، والتدقيق المهني، ومعالجة الشكاوى، والإفصاح عن تضارب المصالح، تساعد على منع الخلل وتصحيحه. كما تتيح المعلومات الموثقة تقييمًا منصفًا يذكر الإنجاز ويحدد التقصير وأسبابه. والمؤسسة التي تفسح المجال للمساءلة تعزز ثقة جمهورها والداعمين لها، وتحد من أثر الشائعات والأحكام المتسرعة.
وعلى المستوى الوطني، تستطيع دار الفتوى أن تسهم في ترسيخ العيش المشترك، واحترام صلاحيات الدولة ومؤسساتها وسيادة القانون، والدفاع عن العدالة وحقوق المواطنين. ويزداد أثرها حين يكون موقفها متسق المعايير، وحين يشعر اللبنانيون بأن خطابها يراعي كرامتهم ومصلحتهم المشتركة. ويتحول الحوار إلى منفعة ملموسة عندما ينتج تعاونًا تربويًا واجتماعيًا وثقافيًا يستجيب لحاجات الناس.
ويتطلب هذا الدور علاقة ناضجة بالقوى السياسية، تحفظ حرية النصح والملاحظة واستقلال القرار. كما يتطلب احترام تنوع الخيارات داخل المجتمع السني، وإبقاء أبواب المؤسسة مفتوحة أمام الناس على اختلاف انتماءاتهم. فالقدرة على الجمع تنمو من الإنصاف وحسن الاستماع، ومن توجيه الاهتمام إلى المصالح الأساسية التي يحتاج المجتمع إلى التعاون بشأنها.
إن تقوية دار الفتوى مشروع يبدأ من داخلها، ويسهم فيه العلماء وأصحاب الاختصاص والداعمون والجمهور. ولهذا المشروع أسئلة عملية: ما الأولويات؟ ومن يتولى تنفيذها؟ وما الموارد اللازمة؟ وكيف تُقاس النتائج؟ وتستحق هذه الأسئلة قيادة مؤهلة تحمل برنامجًا واضحًا، وهيئات قادرة على متابعته، ومراجعة دورية تعترف بما تحقق وما تعثر.
يحتاج لبنان إلى دار فتوى تتجدد ثقة الناس بها من خلال عملها. ويستحق المسلمون أن يجدوا في مؤسستهم علمًا يرشدهم، وإدارة تصون أماناتهم، وقيادة تُحسن تمثّل رسالتها وتحمل مسؤوليتها. وكل خطوة تحترم القواعد، وتقدّم الكفاءة، وتربط الموقع بالإنجاز، تمنح المرجعية قوة أرسخ ونفعًا أوسع للمجتمع والوطن. ا.ه.
أخبار ذات صلة
أثر الأزمات الاقتصادية في الإيمان بالله
2026-10-14 10:34 ص 166
مصدر قضائي بارز لـ"الشرق الأوسط": الاعترافات الأولية للموقوفين تفيد بأن (ساجد) سلّم الشحنة
2026-10-12 10:46 ص 192
7 اكتوبر في الميزان.. (بقلم المحامي محي الدين ماهر حمود)
2026-10-08 10:23 م 261
المجهول أشعل الحريق… فمن المسؤول عن تكراره
2026-10-08 11:24 ص 252
برسم مجلس بلدية حجازي و عكرة و دندشلي...
2026-09-27 03:04 م 735
نتنياهو يخاطب العالم... والعالم يختار باب الخروج!..
2026-09-25 08:58 م 295
إعلانات
إعلانات متنوعة
صيدا نت على الفايسبوك
الوكالة الوطنية للاعلام
انقر على الزر أدناه لزيارة موقع وكالة الأنباء الوطنية:
زيارة الموقع الإلكترونيتابعنا
البقاعي:في عيد المدير... القيادة الحقيقية روح تضامن وشراكة
2026-10-17 06:02 م
"نبض البلد" بين وعود الأمس وفشل اليوم...
2026-10-14 02:35 م
حسن غملوش: «بايلاند» نقلة نوعية في السياحة والمطاعم... وصيدا تستحق الأفضل
2026-10-11 09:35 م
تطوير الخطباء… ولكن من يحاسب من لا يلتزم بقرارات دار الفتوى؟
2026-10-08 07:34 م
المصيبة جمعت سعد والبزري... من جبل النفايات ما هي الرسالة؟
2026-10-08 05:59 ص
صيدا إلى متى؟ بيانات وسجالات والمدينة تدفع الثمن
2026-10-07 09:56 ص
الخصومة السياسية في صيدا... وتربية تجمع الخصوم: فمن يضحك على من؟
2026-10-04 09:52 م
نور العين لا يُقدّر بثمن... مبادرة عامر معطي من أجل أهل صيدا

